رفيق العجم

176

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

شرطه أن تكون القسمة منحصرة لا منتشرة ، ولا يرعى هذا الشرط إلا المحقّقون منهم ، وليس من شرطه أن يكون منحصرا في اثنين ومقصورا على النفي والإثبات ؛ فإنه إذا قال : " الباري لو كان على العرش لكان إما أكبر منه أو أصغر أو مساويا ، والكل باطل ، فالاستقرار على العرش باطل " فهذا التقسيم صحيح ؛ لأنه منحصرا وإن بلغ ثلاثة أقسام ، ولكن هذا الانحصار معلوم علما أوّليّا . فأما قولهم : " السماء حادث لأنه مصوّر قياسا على البيت " ، ثم تقسيمهم بعد ذلك " أن البيت إما أن يكون حادثا لكونه موجودا ، أو قائما بنفسه ، أو جسما ، أو مصوّرا ، وباطل أن يكون لكونه موجودا أو قائما أو جسما لكذا وكذا ، فثبت أنه حادث لكونه مصورا " - فهذا الجنس من التقسيم في هذه المسألة - وفي مسألة الرؤية - منتشر لا منحصر ، فلا يقوم به برهان ، والاعتراض عليه من أربعة أوجه : الأول : أنه لا يسلم انحصار أوصاف البيت في هذه الأربعة ولا في عشرة ولا في ألف ، فلا بدّ من برهان على الحصر ، وذلك مما لا يسهل القيام به ، ولا تراهم يهمون بتكلّف دليل الحصر ، لكن غايتهم أنهم يقولون : " إن كان له وصف آخر فأثبته " ، وللخصم أن يقول : له وصف آخر أعرفه لا أذكره ، أو يتصوّر أن يكون ولكني لا أعرفه ولا أعرف أيضا انتفاءه ، وأنت محتاج إلى أن تعرف انتفاءه ، ولا يكفيك أن لا تعرف ثبوته ، فكم من ثابت لا تعرف ثبوته . فيبقى أن يقول : " لو كان لعرفته أنا وأنت ، كما لو كان بين أيدينا فيل لرأيناه ، فعدم رؤيتنا دليل على انتفائه ، فكذلك عدم معرفتنا بوصف وراء هذه الأوصاف دليل على انتفائه " ، وهذا هوس ؛ فإنا لم نعهد - قط - فيلا موجودا كنا لا نراه ثم رأيناه ، وكم من معان موجودة كنّا نطلبها فلم نعرفها ثم عثرنا عليها بدليل ظهر لنا أو تنبيه من غيرنا ، فمن جعل عدم معرفته الثبوت معرفة لعدم الثبوت فهو في غاية الغباوة . الثاني : هو أن يقال : بم تنكر على من يقول : " الحكم معلّل بعلّة قاصرة غير متعدية " ؟ ، فما الذي يضطرّك إلى أن تطلب له علّة متعدّية حتى تقيس عليه غيره ؟ فهو معلّل بكونه بيتا مثلا فإن أوردت عليه الصفة فهو معلّل بوصف يشمل البيت والصفة ، فإن أوردت الحيوان والنبات والأواني فهو معلّل بعلّة تشمل الجميع وتطابقه ولا تجاوزه ، وذلك ممكن تقديره : إما بوصف مشترك للجميع مطابق له ، وإما بأوصاف مركّبة تقتصر عليها ولا تتعدّى . الثالث : أنه إن سلّم أن الأوصاف محصورة في أربعة فلا يكفي إبطال ثلاثة بإبطال مفرداتها ، بل يجوز أن يكون الحكم معلّلا بمجموع الثلاثة أو باثنين منها ؛ إذ يجوز أن تكون العلّة مركّبة من جملة معان ، فالحبر لا يحصل بمعنى مفرد بل باجتماع العفص والزاج وأمور أخر ، وعند ذلك تزيد التركيبات على عشرة ؛ إذ يقال : لعلّه معلّل بكونه موجودا وقائما بنفسه ، أو كونه موجودا وجسما ، أو كونه